محمد بن جرير الطبري
440
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك ، ( 1 ) تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به . قالت عائشة لعروة : يا ابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها ، ( 2 ) كانت تبكي حتى إني لأرحمها ! وتقول : إني لأخاف أن أكون قد هلكت ! كان لي زوج فغاب عني ، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلتِ ما آمرك به ، فأجعله يأتيك ! فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين ، فركبت أحدهما وركبت الآخر ، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، ( 3 ) فإذا برجلين معلقين بأرجلهما ، فقالا ما جاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر ؟ فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي . فأبيت وقلت : لا قالا فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه . ( 4 ) فذهبت ففزعت فلم أفعل ، فرجعت إليهما ، فقالا أفعلت ؟ قلت : نعم . فقالا فهل رأيت شيئا ؟ قلت : لم أر شيئا ! فقالا لي : لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأربيت وأبيت ، ( 5 ) فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه . فذهبت ، فاقشعررت . ثم رجعت إليهما فقلت : قد فعلت . فقالا فما رأيت ؟
--> ( 1 ) يقال : " كان في حدثان كذا وكذا " ( بكسر فسكون ) ، و " في حداثته " : أي على قرب عهد به . ( 2 ) يشفيها : أي يجيبها بما يبلغ بها سكينة القلب فتبرأ من حيرتها . ومنه : " شفاء العي السؤال " . والجهل والحيرة مرض القلوب والنفوس . ( 3 ) في ابن كثير 1 : 260 : " فلم يكن شيء " ، والصواب ما هنا وفي الدر المنثور 1 : 101 وقولها : " فلم يكن كشيء " عبارة جيدة ، بمعنى : لم يكن ما مضى كشيء يعد ، بل أقل من القليل . والعرب تقول : تأخرت عنك شيئا ، أي قليلا . ومنه قول عمر بن أبي ربيعة . وقالت لهن : اربعن شيئا ، لعلني . . . وإن لامني فيما ارتأيت مليم أي قفن قليلا . ويقولون في مثل ذلك أيضًا : " لم يكن إلا كلا ولا " ، كل ذلك بمعنى السرعة الخاطفة . ( 4 ) في المطبوعة : " فقالا ، اذهبي . . " ، وأثبت ما في الدر المنثور وابن كثير ، فهي أجود . ( 5 ) في المطبوعة : " فأبيت " بحذف " فأرببت " . وأرب بالمكان لزمه ولم يبرحه . والزيادة من ابن كثير في الموضعين .